كيف أختار كتابًا أقرؤه؟

لم يكن الكتاب، في أي عصر من العصور، مجرد أوراقٍ مصفوفة أو حبرٍ مسطور، بل كان مرآةً للعقل الذي كُتب فيه، وسُلّمًا يرتقي به عقل القارئ إن أحسن الاختيار، أو يضلّ به إن أساء التمييز. ولما كثرت الكتب في زماننا، وتنوعت المشارب، وتشابهت العناوين، صار اختيار الكتاب علمًا لا يقل شأنًا عن قراءته.
واعلم ـ أيها القارئ ـ أن النفوس متفاوتة في استعدادها، والعقول مختلفة في قابلياتها، وليس كل كتاب صالحًا لكل قارئ، ولا كل قارئ مؤهلًا لكل كتاب. ومن هنا كانت أولى خطوات الاختيار: معرفة النفس.
أولًا: اعرف موضعك من العلم
فمن الخطأ أن يبتدئ المرء بما لا طاقة له به، أو أن يظن أن كل ما عُدّ عظيمًا في أعين الناس عظيمٌ في حقه في هذه المرحلة. فالعلم ـ كما العمران ـ له تدرج، ومن رام نهاياته قبل بداياته أفسد ذهنه، كما يفسد البناء إذا أُقيم سقفه قبل أساسه.
فاسأل نفسك:
هل أطلب علمًا؟ أم أطلب تهذيبًا؟ أم إلهامًا؟
فإن كان علمًا، فابدأ بالمختصرات الواضحة قبل المطولات المعقدة.
وإن كان تهذيبًا، فخذ من الكتب ما يخاطب السلوك لا الجدل.
وإن كان إلهامًا، فاقرأ السير والتجارب لا التنظير المجرد.
ثانيًا: انظر إلى غاية الكتاب لا إلى شهرته
كثير من الكتب اشتهرت لا لقيمتها العلمية، بل لحسن تسويقها أو لسطوع اسم كاتبها. وليس كل مشهور نافعًا، ولا كل نافع مشهورًا. فالميزان الحق هو:
ماذا يضيف هذا الكتاب إلى عقلك بعد الفراغ منه؟
فإن وجدت كتابًا يزيدك وضوحًا، أو يهذب حكمك، أو يوسع أفقك، فهو أولى من كتاب يملأك مصطلحاتٍ بلا فائدة، أو جدلًا بلا ثمرة.
ثالثًا: اعرف مؤلف الكتاب
فالكتب أبناء عقول أصحابها، ومن لم يعرف المؤلف لم يعرف الكتاب حق المعرفة.
فاسأل:
هل هذا الكاتب صاحب تجربة أم ناقل كلام؟
هل عاش ما يكتب أم يكتب ما لم يعش؟
فإن التجربة تعطي للكتاب روحًا، أما النقل المجرد فيعطيه جسدًا بلا حياة.
رابعًا: لا تجمع بين المتناقضات في وقت واحد
ومن آفات القراءة أن يخلط المرء في وقتٍ واحد بين كتب متعارضة في المنهج والفكرة، فيقع في الحيرة بدل الفهم. فاقرأ المرحلة الواحدة بعقلٍ واحد، ثم انتقل بعدها إلى ما يخالفها وأنت ثابت الأساس.
خامسًا: اجعل الكتاب خادمًا لغايتك لا سيدًا عليك
فالكتاب وسيلة لا غاية. ومن جعل همه عدد الكتب المقروءة، لا أثرها فيه، فقد شغل نفسه بما لا ينفعه. فاختر كتابك كما تختار رفيق سفرك: من يعينك على الوصول، لا من يطيل الطريق.
فالقراءة الحقّة ليست في كثرة الصفحات، بل في حسن الاختيار.




