فن القراءة: كيف تستفيد مما تقرأ؟

القراءة ـ في حقيقتها ـ ليست فعل العين، بل عمل العقل. فكم من قارئٍ قلب الصفحات ولم يقلب فكرة، وكم من متأملٍ قرأ سطرًا واحدًا فغيّر به مسار فكره. ومن هنا كان الانتفاع بالكتاب أمرًا آخر غير مجرد قراءته.
أولًا: اقرأ بعقلٍ حاضر لا بعينٍ ساهية
فالكتاب لا يعطيك علمه إن لم تعطه انتباهك. ومن قرأ وهو مشغول الخاطر، متفرق الذهن، خرج كما دخل، لا زيادة ولا نقصان.
فهيئ نفسك للقراءة كما تهيئ الأرض للزرع:
هدوء، وتركيز، واستعداد.
ثانيًا: لا تبدأ بالقراءة قبل أن تعرف مقصد الكتاب
انظر في عنوانه، ومقدمته، وفهرسه، فإن ذلك يعطيك تصورًا عن بنائه وغايته. ومن دخل كتابًا بلا خريطة، تاه في صفحاته، كما يتيه المسافر في أرضٍ لا يعرف معالمها.
ثالثًا: اقرأ على مهل، فالاستعجال آفة الفهم
ومن أعظم أخطاء القراء في هذا الزمان السرعة المفرطة، وكأن الغاية السباق لا الفهم. والعلم لا يُؤخذ خطفًا، بل يُؤخذ تثبيتًا وتدرجًا.
قف عند الفكرة، أعد قراءتها، تأملها، واسأل:
لماذا قال الكاتب هذا؟
وعلى أي أساس بنى رأيه؟
رابعًا: حاور الكتاب ولا تسلم له تسليمًا
فالقراءة النافعة ليست خضوعًا أعمى، بل حوارٌ راقٍ بين عقلين: عقل الكاتب وعقلك.
اتفق حيث يقوم الدليل، وخالف حيث يظهر الخلل، وسجل ملاحظاتك، فإن العقل إن لم يُستعمل صدئ.
خامسًا: اربط ما تقرأه بواقعك
فالعلم الذي لا يغير سلوكًا، أو يصحح فهمًا، أو يحسن قرارًا، علمٌ ناقص الأثر.
فاسأل بعد كل فصل:
كيف أستفيد من هذا في حياتي؟
كيف أطبقه في عملي، أو تربيتي، أو رؤيتي للأمور؟
سادسًا: أعد القراءة إن كان الكتاب نفيسًا
فالكتب العميقة لا تكشف كل أسرارها من القراءة الأولى. وكلما نضج العقل، انفتحت له معانٍ لم يكن يراها من قبل. ولذلك كانت إعادة القراءة علامة النضج لا التكرار العقيم.
سابعًا: احذر من وهم المعرفة
ومن أخطر آفات القراءة أن يظن المرء أنه فهم لمجرد أنه قرأ. فالفهم الحقيقي يظهر في القدرة على الشرح، والتطبيق، والتمييز. فإن عجزت عن ذلك، فاعلم أن في قراءتك خللًا.
فالكتاب لا يصنع العقل، وإنما العقل هو الذي يصنع من الكتاب علمًا.




